إرنست هارتمان: الحدود الرقيقة والكوابيس والأحلام
بقلم Ruya Editorialالسبت، ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦وقت القراءة: 9 د

إرنست هارتمان: الحدود الرقيقة والكوابيس والأحلام

لماذا يرى شخص أحلامًا نابضة بالألوان كل ليلة، ويستيقظ باكيًا من كابوس ويظل يحمل صوره طوال يومه، بينما ينام آخر ثماني ساعات في سكون تام ويقول بلا اكتراث إنه لا يحلم أصلًا؟ قضى إرنست هارتمان خمسين عامًا في البحث عن جواب هذا السؤال، وخرج بفكرة كانت غائبة عن علم النفس: العقول تختلف في سماكة حدودها. وهذا المفهوم يفسّر أكثر بكثير من الأحلام، فهو يتنبأ بمن يعاني من الكوابيس، ومن يذوب في الآخرين، ومن يفصل بين جوانب حياته، ومنه تطورت نظريته الأوسع عن وظيفة الحلم. فإن كنت تتساءل لماذا تبدو لياليك أكثر صخبًا أو هدوءًا من ليالي غيرك، فهارتمان هو الباحث الذي تحتاج أن تعرفه.

من هو إرنست هارتمان؟

وُلد إرنست هارتمان (1934-2013) في فيينا، وهو ابن المحلل النفسي الشهير هاينز هارتمان. بنى مسيرته المهنية في الجانب الأمريكي من الأطلسي، فعمل أستاذًا للطب النفسي في جامعة تافتس، وأدار مركزًا رائدًا لاضطرابات النوم قرب بوسطن. كان من الباحثين النادرين الذين يتقنون لغتي هذا المجال معًا: المختبر، حيث كتب كتاب The Biology of Dreaming عام 1967 ودرس الحاجة إلى النوم، والعيادة، حيث أصغى إلى الحالمين. وترأس الجمعية الدولية لدراسة الأحلام، وكان أول رئيس تحرير لمجلتها البحثية Dreaming. ويمتد في عمله خيطان رئيسيان: معاناة من يعانون من الكوابيس، والسؤال عن الدور الذي تؤديه كل هذه الصور الليلية في حياتنا.

نظرية الحدود: العقول الرقيقة والعقول السميكة

بدأت النظرية من دراسة من يعانون من الكوابيس. فحين درس هارتمان بالغين تلاحقهم الكوابيس باستمرار، لاحظ أنهم يشتركون في أمور أخرى غير لياليهم المزعجة: فهم منفتحون وحساسون وتغمرهم المشاعر بسهولة، ولديهم ميل فني، ويندمجون سريعًا في علاقاتهم، ويتداخل عندهم الخيال بالواقع. فصار يصف العقول بسماكة الجدران الداخلية بين الأفكار والمشاعر، وبين النوم واليقظة، وبين الذات والآخرين، وصمّم استبيان الحدود (Boundary Questionnaire) لقياس ذلك. وتبيّن أن هذا البعد حقيقي وقادر على التنبؤ بدرجة لافتة: فأصحاب الحدود الرقيقة يتذكرون أحلامًا أكثر، ويعانون من كوابيس أكثر، ويسجلون درجات أعلى في مقاييس الإبداع، أما أصحاب الحدود السميكة فيحتفظون بتجاربهم في أقسام مرتبة، وغالبًا لا ينتبهون كثيرًا إلى عالم أحلامهم. وليس أي من النمطين اضطرابًا، بل هما طبعان مختلفان لكل منهما ثمنه وهباته.

سماكة الحدود بعد مهمل من أبعاد الشخصية، وقد تساعدنا على فهم جوانب من حياتنا لا يفسرها أي مقياس آخر.

Ernest Hartmann, Boundaries in the Mind

الحدود الرقيقة والحدود السميكة في لمحة
الجانبالحدود الرقيقةالحدود السميكة
عالم الأحلامأحلام حية وتذكر متكرر، وتمتد آثارها إلى النهار، وكوابيس أكثرتذكر قليل، وتختفي الأحلام عند الاستيقاظ، وكوابيس أقل
أسلوب التفكيرترابطي، غني بالاستعارات، يميل إلى أحلام اليقظةمقسّم، يركز على شيء واحد في كل مرة، حرفي
المشاعرتأتي كالفيضان، وتبقى طويلًا، والتعاطف يأتي من تلقاء نفسهمنضبطة وبجرعات، وتُطفأ لإنجاز المهام
العلاقاتاندماج سريع، ويشعر بحالات الآخرين كأنها حالاتهحدود واضحة، وقرب أبطأ، وإحساس راسخ بأين تنتهي ذاته
نقاط القوة المعتادةالإبداع والخيال والحساسية للتفاصيل الدقيقةالثبات والتركيز والصمود تحت الضغط

الموجة العاتية: نظريته في وظيفة الحلم

تنطلق نظرية هارتمان المعاصرة في الحلم من ملاحظة سريرية لافتة. فمن ينجون من صدمة نفسية، كحريق أو اعتداء أو كارثة، لا يحلمون في الغالب بالحدث كما وقع. بل يحلمون بموجة عاتية تتجه نحوهم، أو ببيت ينهار، أو بأنهم يُجرفون بعيدًا. ورأى أن الحلم يرسم الشعور نفسه ولا يعيد تشغيل الحدث: الرعب والعجز يتحولان إلى صورة، وهي ما سمّاه الصورة المركزية (Central Image) للحلم، وتزداد شدتها وتخف بحسب قوة الشعور الكامن وراءها. ومن هذه الفكرة بنى تصوره للحلم عمومًا: فالدماغ الحالم هو العقل في أقصى حالات الترابط، ينسج التجارب الجديدة، خاصة المشحونة بالعاطفة، في شبكة الذكريات القديمة الواسعة، بصورة أوسع وأكثر مرونة مما يستطيعه التفكير في اليقظة. وهذا النسج هو سبب غرابة الأحلام، وهو أيضًا وظيفتها: فالألم الجديد يُربط بما سبقه، ويوضع في سياقه، ويخف حدّه شيئًا فشيئًا. وفي دراسات لسلاسل أحلام سُجلت قبل صدمات عامة كبرى وبعدها، ازدادت شدة الصور المركزية زيادة قابلة للقياس بينما ظل الحدث نفسه غائبًا عن الأحلام، وهذا بالضبط ما تتوقعه النظرية.

تجمع هذه النظرية خيطين رافقا هارتمان طوال مسيرته. فأصحاب الحدود الرقيقة ينسجون مشاعرهم في الأحلام بصوت عالٍ: صور أكثر حيوية، وتسرب أكبر إلى اليقظة، وكوابيس أكثر حين تكون المادة قاتمة. أما أصحاب الحدود السميكة فتجري العملية نفسها عندهم خلف أبواب أثقل. والكابوس في هذا التصور ليس خللاً: إنه تصوير لشعور أكبر من الشبكة الحالية التي تحتويه، ولهذا تتجمع الكوابيس بعد الأحداث الصعبة وتخف تدريجياً مع تقدم النسج. ولهذا أيضاً يعتمد دليلانا عن أحلام القلق والأحلام المتكررة على أعماله في مواضع كثيرة.

ماذا يخبرك حلمك؟

ماذا يخبرك حلمك؟

اكتشف حلمك من زوايا نفسية، من رموز يونغ والأنماط الأصلية إلى أفكارك اليومية وما يشغل بالك.

كيف تتعايش مع نوع حدودك

  1. اعرف موقعك على المقياس. مقدار تذكرك للأحلام، ومدة بقاء المشاعر معك، ومدى تأثرك بالقصص الخيالية وبالآخرين: أسبوع من الملاحظة الصادقة يكفي عادةً للإجابة.
  2. إن كانت حدودك رقيقة: احرس ما يدخل إليك. ما تتشربه قبل النوم يتحول إلى مادة للأحلام بقوة لافتة، فاترك للمساء فاصلاً هادئاً: لا محتوى مزعجاً في آخر الليل، وطقس تهدئة يغلق صفحات يومك.
  3. إن كانت حدودك سميكة: افتح الباب بقصد. تذكر الأحلام يستجيب للنية: ضع أداة تدوين قرب سريرك، واستلقِ ساكناً عند الاستيقاظ، واسأل نفسك: ماذا كان هنا قبل لحظات؟ الأحلام كانت موجودة دائماً، لكن الجدار كان عالياً.
  4. بعد الأحداث الصعبة، راقب الصورة المركزية. الأمواج العاتية والعواصف والبيوت المنهارة بعد فترة مؤلمة هي النسج وهو يجري، وليست تحذيراً. توقع أن تخف حدتها مع مرور الأسابيع.
  5. اعرف الحد الفاصل. الكوابيس التي تبقى بكامل قوتها شهوراً، أو تفسد نومك، أو تعيد مشهد صدمة حقيقية كما حدث، تستحق مساعدة متخصصة. والعلاج بإعادة تمثيل الصور (imagery rehearsal therapy)، الذي نما من التقليد الذي أسسته أعمال هارتمان في الكوابيس، علاج فعال وقصير.

راقب نسجك بنفسك

تقدم نظرية هارتمان توقعاً محدداً بشأن مذكراتك: بعد أسابيع مليئة بالمشاعر، يُفترض أن تصبح أحلامك أشد حرارة وغرابة وأكثر امتلاءً بالصور، ثم تهدأ مع اندماج المادة في النسيج. هذا المسار لا يُرى دون سجلات، ويظهر بوضوح تام معها. يدوّن Ruya أحلامك لحظة استيقاظك، ويحفظ أيامك إلى جانبها، ويتيح لك متابعة صعود الصور المركزية وهبوطها عبر الأسابيع: نسجك أنت، موثقاً أمامك. ثم تساعدك مناهج التفسير على طرح سؤاله على أي حلم صاخب: ما حجم الشعور الذي تمثله هذه الصورة؟


قدم هارتمان للحالمين هديتين باقيتين: الطمأنينة والفهم. الطمأنينة لأن الرقة والسماكة طبعان وليستا اضطرابين، فمن يحلم بالفيضانات ليس معطوباً، تماماً كمن يحلم بصمت. والفهم لأنك حين تدرك أن الأحلام ترسم المشاعر ولا تنقل الأحداث، تتوقف الموجة العاتية عن كونها نبوءة، وتصبح ما كانت عليه دائماً: الحجم الحقيقي لما تحمله، مرسوماً بمقياس دقيق.

إرنست هارتمان: أسئلة شائعة

من هو إرنست هارتمان؟
طبيب نفسي أمريكي وُلد في فيينا (1934-2013)، وكان أستاذًا في جامعة تافتس ومديرًا لمختبر النوم. وضع نظرية الحدود النفسية، وألّف كتبًا مرجعية عن الكوابيس والأحلام، وتولى رئاسة الجمعية الدولية لدراسة الأحلام، وكان أول رئيس تحرير لمجلة Dreaming.
ما هي نظرية الحدود النفسية عند هارتمان؟
هي بُعد من أبعاد الشخصية يصف مدى سماكة الجدران الفاصلة بين مناطق العقل: الأفكار والمشاعر، واليقظة والحلم، والذات والآخرين. أصحاب الحدود الرقيقة يعيشون انسيابًا بين هذه المناطق، ولديهم أحلام حية وتغمرهم المشاعر أحيانًا، أما أصحاب الحدود السميكة فيُبقون تجاربهم في حجرات منفصلة. وقد قاس هارتمان ذلك باستبيان الحدود (Boundary Questionnaire)، وهو يتنبأ بدرجة تذكّر الأحلام وبمعدل الكوابيس تنبؤًا لافتًا.
كيف أعرف إن كانت حدودي رقيقة أم سميكة؟
راقب ليلك ونهارك: إن كنت تتذكر أحلامك الحية كثيرًا، وتبقى مشاعرك معك ساعات، وتنغمس بعمق في القصص وفي أمزجة الآخرين، فهذا يميل إلى الحدود الرقيقة. وإن كنت نادرًا ما تتذكر أحلامك، وتحتفظ بمشاعرك داخلك، وتفصل بين الأمور بسهولة، فهذا يميل إلى الحدود السميكة. ومعظم الناس يقعون في منتصف الطيف، وهذا الموقع مجرد طبع وليس تشخيصًا.
لماذا يعاني بعض الناس من كوابيس أكثر بكثير من غيرهم؟
وجدت أبحاث هارتمان أن الذين يتكرر عليهم الكابوس يتجمعون بوضوح عند طرف الحدود الرقيقة: فالنفاذية نفسها التي تمنحهم خيالًا خصبًا تتيح للمشاعر المظلمة أن تعبر بسهولة أكبر إلى صور مكثفة. ثم تأتي ضغوط الحياة لترفع حدّتها. إنها سمة حساسية وليست عيبًا، والحالات الشديدة تستجيب جيدًا للعلاج القائم على الصور الذهنية.
ما هي الصورة المركزية (Central Image) وحلم الموجة العاتية؟
الصورة المركزية هي المشهد الأبرز في قلب الحلم، وقد بيّن هارتمان أن شدتها تتناسب مع قوة الشعور الكامن لدى الحالم. ومثاله الأشهر: الناجون من الصدمات نادرًا ما يعيدون رؤية الحدث نفسه في أحلامهم، بل يرون موجات عاتية وصورًا مشابهة تبتلع كل شيء، فكأن الشعور رُسم بحجمه الحقيقي. وتلاشي الصور المركزية على مدى أسابيع علامة على أن معالجة المشاعر تؤدي عملها.
ما هي نظريته المعاصرة في الحلم؟
ترى أن الحلم هو أكثر حالات العقل قدرة على الربط: فبقيادة المشاعر ينسج التجارب الحديثة داخل شبكات الذاكرة القديمة على نطاق أوسع مما يفعله التفكير في اليقظة. وهذا يفسر غرابة الأحلام ويمنحها وظيفة، وهي دمج المواد المهمة عاطفيًا وتهدئتها تدريجيًا. وهي تنسجم تمامًا مع التفسيرات الحديثة التي تربط نوم حركة العين السريعة (REM) بمعالجة المشاعر.
هل الحدود الرقيقة شيء سيئ؟
لا. للحدود الرقيقة كلفتها: كوابيس أكثر، وفيضان المشاعر، ورقة في الجلد النفسي، لكن لها هبات تقابلها، فقد ربطتها دراسات هارتمان بالإبداع والخيال والتعاطف. ونصيحته أقرب إلى الرعاية منها إلى الإصلاح: احمِ ما يدخل إليك، واستثمر قربك من عالم الصور، واترك لأصحاب الحدود السميكة ما يجيدونه أكثر.

هل كان هذا المقال مفيدًا؟

كُتب هذا المقال في الأصل باللغة الإنجليزية. اقرأ النص الأصلي

bedtime

ماذا حلمت الليلة الماضية؟

اكتب حلمك وهو ما زال حاضرًا في ذهنك، واحصل خلال ثوانٍ على قراءة أولى مختصرة. أنشئ حسابًا مجانيًا لتحفظه في مذكراتك وتتعمق في فهم معناه.

مجاني وخاص بك. لا يُحفظ حلمك إلا عندما تحفظه في مذكراتك.تخطَّ القراءة واحفظ الحلم في مذكراتي

المراجع

  1. 1. Boundaries in the Mind: A New Psychology of Personality
    المؤلف: Hartmann, E.السنة: 1991الناشر/المجلة: Basic Books
  2. 2. The Nightmare: The Psychology and Biology of Terrifying Dreams
    المؤلف: Hartmann, E.السنة: 1984الناشر/المجلة: Basic Books
  3. 3. The Nature and Functions of Dreaming
    المؤلف: Hartmann, E.السنة: 2011الناشر/المجلة: Oxford University Press
  4. 4. The Biology of Dreaming
    المؤلف: Hartmann, E.السنة: 1967الناشر/المجلة: Charles C Thomas
share

مشاركة